صديق الحسيني القنوجي البخاري

399

فتح البيان في مقاصد القرآن

تعرض للرجال في أمر النساء ، وللنساء في أمر الرجال وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له ، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه فإن مجانبة ذلك أحسن بحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته . وَما كانَ أي ما صح ولا استقام لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بشيء من الأشياء كائنا ما كان ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه ، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده ، وتكليم نسائه من دون حجاب . وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً أي ولا كان لكم ذلك بعد وفاته أو فراقه لأنهن أمهات المؤمنين ، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات قال ابن عباس في الآية : نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد موته . قال سفيان : وذكروا أنها عائشة . وعن السدي قال : بلغنا أن طلحة بن عبيد اللّه قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ؟ ويتزوج نساءنا من بعدنا لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده ، فنزلت هذه الآية . وعن قتادة قال : قال طلحة بن عبيد اللّه : لو قبض النبي صلّى اللّه عليه وسلم لتزوجت عائشة ، فنزلت . وعن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم قال : نزلت في طلحة لأنه قال إذا توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلم تزوجت عائشة . قال ابن عطية : وهذا عندي لا يصح على طلحة . قال القرطبي : قال شيخنا الإمام أبو العباس وقد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة وحاشاهم عن مثله ، وإنما الكذب في نقله ، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال . وعن ابن عباس قال : قال رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم لو قد مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تزوجت عائشة وأم سلمة فأنزل اللّه : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الآية وعنه أو رجلا أتى بعض أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا » فقال : يا رسول اللّه إنها ابنة عمي واللّه ما قلت لها منكرا ، ولا قالت لي . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « قد عرفت ذلك إنه ليس أحد أغير من اللّه وأنه ليس أحد أغير مني » فمضى ثم قال : يمنعني من كلام ابنة عمي لأتزوجنها من بعده . فأنزل اللّه هذه الآية فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل اللّه وحج ماشيا توبة من كلمته . وعن أسماء بنت عميس قالت : خطبني علي فبلغ ذلك فاطمة فأتت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : إن أسماء متزوجة عليا فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ما كان لها أن تؤذي اللّه ورسوله ، والذي جرى عليه الرملي في شرح المنهاج أن من عقد عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلم تحرم على غيره سواء دخل بها صلّى اللّه عليه وسلم أو لا ، وأما حكم إمائه فمن دخل بها منهن حرمت على غيره وإلا فلا . إِنَّ ذلِكُمْ أي نكاح أزواجه من بعده كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً أي ذنبا عظيما ،